الشيخ محمد هادي معرفة

38

تلخيص التمهيد

والصحيح أنّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر ، في أنّ الفصيح منهم يصنع خطبةً أو قصيدةً يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقّحها حولًا كاملًا ، ثم تعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصّة فيبدّل فيها وينقّح ، ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل . وكتاب اللَّه سبحانه لو نُزعت منه لفظة ، ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ، لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ، وميز الكلام . قال : وقامت الحجّة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجّة في معجزة عيسى بالأطبّاء ، وفي معجزة موسى بالسحرة ، فإنّ اللَّه تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمن النّبيّ الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في مدّة موسى قد انتهى إلى غايته ، وكذلك الطبّ في زمن عيسى ، والفصاحة في مدّة محمّد صلى الله عليه وآله « 1 » . 3 - رأي عبد القاهر الجرجاني هو الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 ) - الواضع الأوّل لُاسس علمَي المعاني والبيان . وقد وضع كتابيه « أسرار البلاغة » و « دلائل الإعجاز » تمهيداً لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم . وثلّثهما برسالته « الشافية » التي خصّصها بالكلام حول إعجاز القرآن والإجابة على أسئلة دارت حول الموضوع . قال - في مقدّمة كتابه « دلائل الإعجاز » بعد أن أشاد بشأن النظم في الكلام وتأليفه وتنسيقه - : وإذا كان ذلك كذلك فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم موجودة على حقائقها وعلى الصحّة وكما ينبغي

--> ( 1 ) . المحرّر الوجيز : المقدّمة ج 1 ص 71 - 72 ، وراجع الزركشي في البرهان : ج 2 ص 97 .